حيدر حب الله

26

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الحقوق والبخل وحبّ المال ، وليس الاحتكار أو المحتكر كذلك بالضرورة ، فقد يكون ملتزماً بجوانب الشريعة الأخرى من الزكاة والخمس والصدقات لكنه في بعض تجاراته وبهدف تحقيق المزيد من الربح يقوم بتأخير عرض السلع والبضائع إلى مدّة زمنية محدّدة وليس إلى الأبد ، وطلب الربح لا يساوق مفاهيم حبّ المال أو منع الخير أو ما شابه ذلك ، فهذا تماماً كالغني غير المحتاج الذي يواصل بحثه عن المزيد من تحقيق الأرباح ، فلا يتصوّر أنّ مثل هذه الآيات الكريمة تشمله . من هنا ، فلعلّ أفضل آيتين هنا هما : الأولى والثانية ، فإنّ الأولى إذا بنينا في تفسيرها على أنّ المراد منها كلّ سبب باطل ، وفهمنا السبب فيها بالمعنى الواسع الذي لا يقف عند حدود نفس العقد الناقل ، فلا يبعد أن يكون كذلك بنظر العقلاء ، إذا لم نقل بأنّ الشراء بعد الاحتكار يكون عن تراضٍ حينئذٍ ، ولو كان المشتري راضياً بوصفه مضطراً ، فإنّ الاضطرار لا ينفي عنوان الرضا كما هو واضح ، على خلاف الإكراه الرافع للرضا والاختيار . فإذا نظرنا للظاهرة ككل ، فقد يصف العقلاء ما يأكله المحتكر بأنه جاءه عن طريق باطل ، وأما إذا فكّكنا الظاهرة فلن يكون الاستدلال بالآية جيداً . وأما الآية الثانية ، فرغم وجودها إلا أنّ الاستدلال بها أيضاً مشكل ، لا أقلّ من كونها خاصّة بالفيء ، فإنّ موردها الأموال العامة أو أموال بيت المال حيث نهت عن تخصيص تداولها - على الطريقة الجاهلية - بخصوص الأغنياء وأصحاب المكانة ، ومن ثم فلا يمكن تعميمها لمطلق المال ضمن أيّ حركة سوقية تفرض شكلًا محدّداً من أشكال التمركز الذي يجامع الإنفاق الواجب والمندوب من الصدقات والوقوف والزكاة والخمس وغير ذلك . من هنا ، يمكن اعتبار هذه النصوص القرآنية مؤشرات عامة للحكم في